أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

145

العقد الفريد

راهط ، فكان الضحاك في ستين ألفا ، ومروان في ثلاثة عشر ألفا ، أكثرهم رجالة ، وأكثر أصحاب الضحاك ركبان ؛ فاقتتلوا بالمرج عشرين يوما ، وصبر الفريقان ، وكان على ميمنة الضحاك زياد بن عمرو بن معاوية العقيلي ، وعلى ميسرته بكر بن أبي بشير الهلالي : فقال عبيد اللّه بن زياد لمروان : إنك على حق ، وابن الزبير ومن دعا إليه على الباطل ، وهم أكثر منا عددا وعددا ، ومع الضحاك فرسان قيس ؛ واعلم أنك لا تنال منهم ما تريد إلا بمكيدة ، وإنما الحرب خدعة ، فادعهم إلى الموادعة ، فإذا أمنوا وكفّوا عن القتال فكرّ عليهم . فأرسل مروان السّفراء إلى الضحاك يدعوه إلى الموادعة ووضع الحرب حتى ننظر . فأصبح الضحاك والقيسية قد أمسكوا عن القتال ، وهم يطمعون أن يبايع مروان لابن الزبير ، وقد أعد مروان أصحابه ، فلم يشعر الضحاك وأصحابه إلا والخيل قد شدت عليهم ، ففزع الناس إلى راياتهم من غير استعداد وقد غشيتهم الخيل ، فنادى الناس : أبا أنيس ، أعجز بعد كيس « 1 » ، وكنية الضحاك : أبو أنيس ، فاقتتل الناس ، ولزم الناس راياتهم ، فترجّل مروان وقال : قبح اللّه من ولاهم اليوم ظهره حتى يكون الأمر لإحدى الطائفتين . فقتل الضحاك بن قيس ، وصبرت قيس عند راياتها يقاتلون ، فنظر رجل من بني عقيل إلى ما تلقى قيس عند راياتها من القتل ، فقال : اللهم العنها من رايات ! واعترضها بسيفه ، فجعل يقطعها ، فإذا سقطت الراية تفرق أهلها ، ثم انهزم الناس فنادى منادي مروان : لا تتبعوا من ولّاكم اليوم ظهره . فزعموا أن رجالا من قيس لم يضحكوا بعد يوم المرج ، حتى ماتوا جزعا على من أصيب من فرسان قيس يومئذ ، فقتل من قيس يومئذ ممن كان يأخذ شرف العطاء ، ثمانون رجلا ، وقتل من بني سليم ستمائة ، وقتل لمروان ابن يقال له عبد العزيز ، وشهد مع الضحاك يوم مرج راهط عبد اللّه بن معاوية بن أبي سفيان ، فلما انهزم الناس ، قال له عبيد اللّه بن زياد : ارتدف « 2 » خلفي . فارتدف ، فأراد عمرو بن سعيد أن يقتله ،

--> ( 1 ) الكيس : العقل ، والجود والظرف . ( 2 ) ارتدف : اركب خلفي .